مصر التي في خاطرى

0 188

مصر التي في خاطرى

في بلد تخطت حضارتها سبعة ألاف عام .. استطاع أحمس أن يطرد الهكسوس بعجلاته الحربية ؛ محققاً آنذاك أول إنجاز في تطور الحروب عالميا وبهذا تكون مصر قد أطلت برأسها علي العالم كله من نافذة لا حدود لها .

ثم يقف العالم كله أمام عجائب الأهرام عاجزين عما صنعه المصريون وقدرتهم الفنية والمعمارية التي تجلت في عظمة مسجد السلطان حسن وغيره .. وفي كرسي القداسة بالكرازة المرقسية بالعباسية الذي مازال تحفه فنية منذ أكثر من 1500 عام .. إن عظمة المصريين في تاريخهم الذي لديه معطيات بأن هذه الأرض بها خصوبة قادرة علي إنبات النسيج الطيب والقادر علي اجتياز المحن مهما كانت العقبات .. والمتأمل لتاريخ مصر لا يتعذر عليه إدراك الترابط الاجتماعي بين أبناء شعبها ، ويلمس بوضوح الوشائج القوية التي تنظم نسيج مجتمعها ، مما جعلها عقبة كؤوداً أمام كل من يحاول النيل من وحدة هذا النسيج الاجتماعي .. وإذا كانت مصر قد شهدت في مهد تاريخها ملامح التوحيد – زمن اخناتون – وجذور العقيدة ؛ فإنها – في الوقت ذاته – كانت متفيئا ظليلاً للعقائد السماوية التي انتشرت علي أرضها ، ونعمت بوجود وزيارة عدد من الأنبياء (عليهم السلام) فحق لها أن تكون مهد الأديان والأنبياء .. وما أن تم التبشير بالمسيحية حتى اعتنقها عدد كبير من المصريين .. ولما بعث محمد صلي الله وسلم بادر بإرسال حاطب بن أبي بلتعه عام 6 هـ 627 م علي رأس وفد إلي المقوقس –  حاكم مصر ( قيرس)

الذي أحسن الاستقبال وأهدي الوفد “ماريا ” القبطية وشقيقتها ” سيرين ” وبعض الهدايا الأخرى فتزوج النبي الكريم من ماريا التي أنجبت له إبراهيم وزوج سيرين إلي الصحابي الشاعر حسان بن ثابت الذي أحب مصر بلداً وشعباً في أشعاره .. وبضدها تتميز الأشياء ، إذ إن شعب الغساسنة وملوكهم لم يحسنوا استقبال وفد رسول الله الكريم ، بل وقتلوا رسول رسول الله (الحارث بن عمير الأزدي) ..  ذلك مؤشراً طيباً جعل النبي صلي الله عليه وسلم يبشر بأن مصر ستفتح وأن أهلها خير أجناد الأرض ؛ وأن للعرب فيهم خؤولة وصهراً .. وهذا مبعث التأكد للوحدة المشتركة ، حتى في مواجهة عدو واحد هو اليهود ، وقد حرص قداسة البابا شنودة الثالث علي تأكيد هذه الروح المشتركة بمقاطعة زيارة الأماكن المقدسة في فلسطين المحتلة حتى تتحرر من أيدي الصهاينة وتعود إلي المسلمين والمسيحيين كما تؤكد ذلك الكتب السماوية .. ومصر هي بلد الأمن والأمان منذ بدء الخليقة فحينما جاءت المسيحية إليها في وقت مبكر ، جاءت العائلة المقدسة إلي مصر هربا من غطرسة اليهود ومليكهم في فلسطين .. ولم تمضي سنوات عشر علي وفاة النبي (صلي الله عليه وسلم) حتى أقدم عمر بن الخطاب علي فتح مصر ، وكان قائد الفاتحين آنذاك عمرو بن العاص .. وللتاريخ هنا وقفه ، حيث تؤكد المصادر التاريخية علي حسن استقبال أهل مصر للفاتحين ، وهذا ما أفصح عنه الأسقف يوحنا النقيوسي في كتابه ( تاريخ مصر ) الذي يعد رؤية قبطية للفتح الإسلامي لمصر .. كما تشير المصادر إلي أن المصريين لم تكن لهم – في ذلك الوقت – أية مشاركة في حكم بلادهم ، أو أي حقوق مدنية ، وحرموا من الاشتراك في الجيش ، بل وخضعت لغتهم لجبروت وقهر اللغة اليونانية التي صارت هي اللغة الرسمية بمصر منذ عصر البطالمة حتى الفتح الإسلامي .. وقد استسلم المصريون للظلم – في غالب الأحيان تحت وطأة القهر والبطش .. ثم سرعان ما استراح المصريون في ظل الحكم الإسلامي من الاضطهاد الديني الذي عاشوه في ظل الإمبراطورية الرومانية ، وتمتعوا بالحرية الدينية ، وأمنوا علي أنفسهم وممتلكاتهم وكنائسهم .. وفي ظل هذه الحرية الدينية والتعايش السلمي تنفس الجميع الصعداء وشاركوا في صنع القرار ، وأحسوا بعمق الانتماء والوطنية .. وعلي الرغم من أن الفاتحين كانوا قلة إذا ما قورنوا بأبناء الوطن المتواجدين إلا أنه مع مضي الوقت ومرور الزمن حدث اندماج بين هؤلاء وأولئك ، وامتزجت مشاعرهم بحكم القرابة والمودة المؤكدة بقوله تعالي ” بسم الله الرحمن الرحيم لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا ، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ” .. وكما ذكر بالكتاب المقدس في سفر إشعياء النبي ” مبارك شعبي مصر ” فتمخضت عبر هذه القرون عن هذا النسيج المتلاحم من عنصري الأمة ، فربما لا يعرف كثيرون من الناس إن كانت جذورهم زمن الفتح من أولئك العرب الفاتحين ، أم أجدادهم من أقباط مصر ، وعليه فإننا نؤكد أن وجود الشعب أسبق من دخول الأديان ، فالشعب المصري ضارب بجذوره في الانتماء لهذه الأرض الطيبة ، ثم اعتنق المسيحية حينما وفدت إليه – كما أشرنا قبل – واعتنق بعضهم الإسلام حينما وفد إليه مع الفتح الإسلامي .. وتكاد تشير المصادر إلي ما يؤكد وحدة اللٌحمة المصرية ووحدة مصير شعبها في مواجهة أعدائهم .. حيث لم يهرع مسيحيوا مصر إلي الوقوف إلي جانب أبناء ملتهم من الغزاة الذين اتخذوا الصليب شعاراً لهم لاستمالة الكثيرين ، تنبه مسيحيوا مصر إلي ذلك ، ووقفوا إلي جانب أشقائهم من أبناء الشعب ولم يقفوا إلي الغزاة .. وغلبت وطنيتهم كثيراً علي شيء من عواطفهم .. ومن ثم نجح الشعب المصري كله في التصدي لهؤلاء وغيرهم من المغول إلي أن قيض الله له النصر علي اليهود في حرب أكتوبر المجيد – وامتزجت دماء الشعب كله بقياداته العسكرية دون فصل بين عنصري الأمة ، الكل يضحي بروحه من أجل وطنه الذي تفيأ ظلاله وتربي تحت شمسه وتغذي بخيراته منذ فجر التاريخ إلي الآن .. وعلا أسم القائد فؤاد عزيز غالي إلي جانب إخوانه من قادة معركة التحرير .. وإذا وثبنا علي درج سنوات تاريخنا لنصل إلي عصرنا الحديث ، نجد القلوب قد اجتمعت والتفت مؤازرة الدكتور بطرس غالي ليكون أمينا عاما للأمم المتحدة في العقد الأخير من القرن الماضي .. وبوصوله إلي هذا المنصب عمت الفرحة الشعب المصري بأكمله .. وخلاصة القول بأن الشعب المصري عاش علي أرض واحدة شاءت الأقدار ألا تكون هناك أية حواجز طبيعية بين جميع أبنائه شمالاً أو جنوباً .. شرقاً أو غرباً ، فالكل يلتف حول النيل لا تفصل بينهم حواجز .. الشعب المصري تعامل بروح واحدة أمام ما يفد إليه من عقائد فيعتنق من شاء ما شاء له أن يعتنق دون إكراه ، سواء حينما دخلت المسيحية مصر ، أو حينما دخل الإسلام .. الذي أكد حرية العقيدة ، ومنح أبناء الشعب كله حرية الأديان في ظل تعايش سلمي وأمن ورخاء .. الشعب المصري توحد في كل مواقفه في الأفراح والأتراح .. والعادات والتقاليد ، لا تستطيع أن تميز بين مصريين لا بأسمائهم ولا بألوانهم ولا بأزيائهم ، عاداتهم في الأفراح واحدة ، وتقاليدهم في المآتم واحدة ، التزاور بين الجميع سمت دائم تحكمه تقاليد الجوار ، ووشائج المودة التي أكدها التاريخ .. الشعب المصري متوحد في تقرير مصيره ، وفي صنع قراره الجميع يشترك – في ظل الديمقراطية الممنوحة – في صنع القرار ومؤسسات الحكم ، في دور العلم وكافة مؤسسات الدولة ، وتمثيلها الخارجي وسلطاتها التشريعية والقضائية والتنفيذية .. وإن أي مساس يتأتى من خلال عبث العابثين أو هرطقة بعض المغرضين ، لن يجد له مساراً ، ولن يشق وحدة الجسد المصري ، وهو عبث سيذهب إدراج الرياح ، وكم .. وكم من محاولات تحاول النيل من هذه الوحدة لكون مصر رائدة في منطقتها والظن بأن النيل منها سيؤذن بانهيار المنطقة كلها لكن بفضل الله عز وجل ، ثم بيقظة شعب مصر وحكامه ؛ لن ينال أحد من المغرضين هدفه .. وهيهات .. هيهات لما يحلمون والله غالب علي أمره .. وهو بما تعملون بصير .

اللهم أدم علي مصر وحدتها ، وقوي عزائم أبنائها ، وأشدد من أزرهم

لتظل مصر خير بقاع الأرض ، ولتظل أمناً وأماناً لكل زائريها

تصديقا لقوله تعالي ( أدخلوا مصر إن شاء الله أمنين )

وليظل أهلها خير أجناد الأرض

إنك نعم المولي ونعم النصير .

حمدي خليفة

 نقيب المحامين

رئيس اتحاد المحامين العرب السابق 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.